اتجاهات واراء

عبدالسلام القيسي يكتب.. 19 إبريل 2018.. ذكرى تأسيس وإنطلاق المقاومة الوطنية

المرسى- رأي

الكتابة هينة عن الجهد المستحيل، ولثمان سنوات كاملات، وعن المراحل الثلاث التي تشكلت بها المقاومة.

تشكلت بعمق الكهنوت في صنعاء أول مرة، وبعمق التضاد السياسي الجنوبي في عدن ثاني مرة، وأنطلقت في الساحل الغربي بين جهات ووجهات والواسطة بين تعز وتهامة ثالث مرة، أماكن مستحيلة.

المكان والزمان المستحيلين، والبداية ديسمبر، في حي صغير وسط صنعاء، أنطلقت الشرارة، المواجهة، تكللت بالتضحية وثم غادر طارق صنعاء وظهر في الجنوب، وبدأ أول حجر وفرد وخطوة وسط كيد وغيظ ومؤامرات ورفض، شمالي جنوبي،وحذر، وعلى إثر خسارة.

مقاومة تأسست ربما خارج بيئتها المنطقية، وهنا الإعجاز ، فمقاومة مأرب أنطلقت من بيئة مأرب، وتعز من بيئة تعز والجنوب من بيئة الجنوب، وتهامة منّ بيئتها لكنها الوطنية من بيئة بعيدة بل وهي قريبة ، إذ لا يليق بصالح، وإرث صالح، الا أن تكون بيئته كل اليمن، كما هي الوطنية.

شرعية الإخوان ترفضك، وهادي ينتقم من صالح بك، والجنوب الذي يراك إمتداداً لصالح رب الوحدة وهم دعاة الإنفصال يرفضونك،وتعز صارت بالتعبئة قنبلة إنشطارية ضدك، وتهامة كانت تراك واحداً من الهضبة وجبالية أتوا من جديد، عمالقة يرونك من فرط التحريض العابر ضدك إمتداداً للعدو، وتحالف كان يراك خصماً ، وقواعد بلا أي هدى.

أي مستحيل هذا ؟

دع نفسك بمثابة مقاتل نمي اليه سراً أن يلتحق بطارق، كان عليه أن يفكر بالمجازفة، والخروج سراً وبألف عذر من مناطق الكهنوت، والمنطقي بعد آخر شبر يسيطر عليه الكهنوت أن يتنفس بعمق وحرية ولكن هذا لا يحدث، تبدأ المرحلة الثانية من التخفي، الشرعية لا تريد ذلك، تراك عدواً ، تزج بك في السجون، بتهمة أنك متحوث، وللأبد.

هب أنك نجوت من شرعية الإصلاح، هل يكفي ذلك لتتنفس؟

لا يكفي، تبدأ المرحلة الثالثة من التعب، التخفي من الجنوبيين الذين يرونك فقط شمالياً بتهمتين، الوحدة والتحوث، وتصل بعد جهد وعناء وتفكر بسيرتك ومسيرك الذي يشبه رحلة صقر قريش من دمشق الى قرطبة، كان العباسي يطارده وكان صاحب أفريقية يطارده وكان القيسي الأندلسي يطارده، ولكنه حقق حلمه المستحيل، من كل ذلك .

لكل فرد قصة، تحكى بأنفاس الملاحقة، والمعنى الخرافي، كيف لنا هذه اللحظة أن نقبض على المستحيل ونعيد كتابته ؟

البيت الشعري يخطر في بالي، وهو يحكي قصة المقاومة الوطنية،ذلك البيت الذي يتحدث عن دقيق نٌثر فوق شوك لحظة ريح ثم قيل لك أن تجمعه حافياً، وهنا يحضر طارق، حافياً جمع دقيق الوطنية من بين الشوك وفي عمق العواصف والأعاصير لا ريح فحسب،لكنه طارق فعلها وجمع ما تفرق قبل الحرب وبعد الحرب وبين صنعاء وعدن ومأرب وتعز وما بين الشمال والجنوب وبين التحالف سعودية وإمارات، جمع أشتات البلاد، والمؤمنين بفكرته، وقلة عبر التأريخ يفعلونها بنجاح .

دراسة مراحل المقاومة الوطنية مهمة للصديق والعدو، من اراد أن يستلهم الكفاح، وكيف من الخسارات تنبثق الأشياء الكبيرة.

أن تقرر التأسيس في وسط البلاد وحولك الخطاطيف، مثقلاً باعداء كثيرون، بمن يريدك طعماً لتهويماته، فمن يراك سلبته وطنه ومن يراك بقية نظام ثار عليه ومن أعتقد أنك خنت الجمهورية، يا لهذا التعب وأنفاسي تنسارع وأنا أكتب التعب، تعب يفوق قدرات الرجال،ويفوق منطق المقاومة، ولا يتخلق الا بإعجاز ، وباستثناء حضر بشخصيته.

قد يكون الإنجاز الأكبر لطارق هو ما بين خروجه من صنعاء وإنطلاقه بأول رصاصة في الساحل، هذا يساوي الثمان سنوات من المعركة ومن البناء، فكل ما حدث وقد وجدت مكاناً وزماناً للبقاء لا يساوي يوماً اثناء الحشد والتأسيس والتحايل للنجاة بين الأعداء وهم بألف وجه، بوجه عدو وبوجه منافس وبوجع خصم وبوجه كاره وبوجه لئيم وبوجه متتقم وبوجه صديق حتى، وبوجه خائف، وأشدهم كان بوجه صديق.

الوطنية معجزة، صدقوني، وإن تأخرت فقد تقدمت، وللمقادير أن ترتب هذا التأخير، لو تقدمت مع من تقدموا لتلاشت معهم بين الدعة والمصالح، وأجدني أتذكر معركة السنوات هذه بمعركة الزلاقة وابن تاشفين، لما أتى أول لمرة لنجدة الأندلس، وضع أغلب قواته على مسافة يوم، وترك الأندلسيين يخوضون المعركة معة قلة من أتباعه ولما كاد العدو يحسم المعركة ظهر يوسف وخلفه المرابطين وانتصر.

مسافة يوم في الزلاقة هي مسافة عامين في المواجهة.

لنعد قليلاً، كل قادة المقاومة الذين خاضوها من أول يوم حرب فعلوا ذلك بشرعية الجماهير وشرعية الشرعية وشرعية التحالف وشرعية المواجهة ومع ذلك فشلوا وتلاشوا وغرقوا في دنى الفشل والغياب ووحده طارق بحراسه خاض كل ذلك المستحيل بشرعية الهدف وأن ترى المستحيل بعيداً عنك بعد الماء والنار، ورغم كل ذلك، نجحت.

أن تخوض كل ذلك بين عقد ما قبل الحرب وعقد الحرب وعقد التسيعنات، وعقد ٢٠١١، وعقد الضغينة، وأن يبرز لك في كل لحظة عدو وحاسد ومبتز وكاره ومعرقل وفي كل خطوة حفرة ولغم ونواسف.

حتى إرث صالح ، توزع بين كل الجهات والجبهات، بين لوبيات المصالح، تساقطوا كلهم قبل الحرب حتى، فمن وعلى ماذا أستندت ؟

ذلك يشبه إنهيار سداً عظيماً وتريد لحظة إنهياره اعادة بناء الحاجز وعناصر البناء قد تناثرت، كتل الإسمنت تفتتت، كيف لوحدك تعيد بناء ذلك السد لحظة الإنهيار وكيف أن تصمد أمام الماء وهو يزيل الجبال وتغوض بقوة إندفاعه الأرض، كيف فعلتها ونجحت وبنيت مقاومة ؟

لن أكتب عما بعد معركة الحديدة ، فذلك بحدود المنطق، ولكني كتبت وسأزيد عن اللامنطقي، ربما أربعة أشهر تساوي عقود،بل عن ما قبل إبريل،عن ديسمبر ويناير وفبراير ومارس وإبريل،وعن العام اللاحق .

أستطاع القائد أن ينتصر على إرث الجميع، على إرث الحزبية والطائفية ، تجاوز كل شيء، وربما كان مثقلاً بمرحلة صالح وليس سهلاً أن يتجاوزها وينجح وقد عجز صالح نفسه أن يتجاوز مرحلته ومات .

علينا نحن أنتصر طارق، وعلى الأكاذيب التي تهد دولاً وامبراطوريات كان مثقلاً بمن معه بقدر ثقله بمن ضده، كان كل ما حوله يقول له:قف.

لم يقف، وهو الآن على رأس أقوى تشكيل عسكري،وهو الآن شرعية البلاد، عضواً بحكم اليمن، متوفزاً لمعركة الخلاص،خياراً للداخل وهو كذلك للآقليم، تراهن عليه المدن المحتلة وتنتظره البحار والجبال.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com